فصل: تفسير الآيات (15- 18):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (6- 14):

{ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (8) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (9) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (10) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (14)}.
التفسير:
قوله تعالى: {ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ}.
الإشارة هنا، إلى هذا العرض الرائع المعجز، الذي كشف عن آيات اللّه المبثوثة في هذا الوجود، والتي تتجلى فيها عجائب قدرة اللّه، وحكمته، وعلمه، وذلك فيما تحدثت به الآية السابقة عن خلق الإنسان، وتطوره في الخلق، من تراب ثم من نطفة، ثم من، علقة، ثم من مضغة مخلّقة وغير مخلقة، ثم الميلاد، والطفولة، والصّبا، والشباب، والكهولة والشيخوخة، وما بعد الشيخوخة.
فذلك البيان، إنما هو ليرى منه الناس دلائل الإيمان بأن اللّه هو الإله الحقّ، وما سواه باطل وضلال، وأنه- سبحانه- يحيى الموتى، وأنه على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، ولا تقف أمام قدرته حدود أو سدود.. فإذا أخبر- سبحانه- أن الساعة آتية، فذلك وعد حقّ، لابد من أن يتحقق، وليس لمؤمن باللّه هذا الإيمان الذي قام على النظر في عجائب صنع اللّه- ليس لمؤمن عندئذ أن يسأل بعد هذا، عن إمكانية البعث، وعن الصورة التي يكون عليها.. وإنما عليه أن يؤمن إيمانا مطلقا بأن الساعة آتية، وأن اللّه يبعث من في القبور.. أما متى تأتى فذلك علمه عند اللّه.. وأما كيف يكون المبعث فذلك إلى قدرة اللّه!! قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ}.
تحدّثت الآيات السابقة عن صنف من المجادلين بغير علم حيث يتصدّى الواحد منهم بجهله، لكل رأى، ويدخل في كل قضية، آخذا الطّرف المنحرف منها، دون أن يكون له رأى نظر فيه بعقله، وهدى إليه بتفكيره.
وإنما هو الخلاف عن هوى وعمى، ليثبت وجوده أمام نفسه، ويعلن عن ذاته بأنه من أصحاب الرأى، وأنه إذا كان للعلماء ما يقولون، فإن له هو ما يقول!! وفى هذه الآية أصناف من الناس، يجادلون بغير علم من أنفسهم، أو بهدى من غيرهم، أو عن كتاب صحيح في أيديهم، ليجمع الواحد منهم هذه الضلالات كلها.. فيكون جاهلا في نفسه، ثم يكون متأبّيا على من يدعوه إلى العلم، ثم يكون مع هذا غير ناظر في كتاب صحيح.. ومع هذا فهو يجادل في الحق، ويدفعه بيديه دفعا.
وقد يجادل أحدهم وهو جاهل لا علم عنده، ولكنّه يردّد كلمات سمعها من غيره دون أن يعقلها، ويتعرف إلى ما فيها من هدى وضلال.. ثم يتخذ من هذه الكلمات مادة للجدل.. وقد يستند أحدهم في جدله إلى كتاب قد دخل عليه الافتراء والكذب، فاختلط فيه الحق بالباطل.. وفى ذلك تعريض بأهل الكتاب- وخاصة اليهود- الذين زيّفوا التوراة، ثم استقبلوا بها النبيّ يجادلونه، ويجاجّونه بما فيها من أحكام وأخبار، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ}.
فالكتاب الذي كان منحرفا، غير ملتزم طريق الحق، كان قوة عاتية من قوى الضلال والفساد. إنه يقود إلى الضلال والظلام.
قوله تعالى: {ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ}.
أي أن هذا المجادل الجهول، يجادل، وهو ثان عطفه، أي مائل بجنبه، تيها وكبرا، واستنكافا عن أن يسمع دعوة الحقّ، وهو مقبل عليها بوجهه، بل يعطيها ظهره، أو يلقاها بجنبه، إمعانا في الكبر، ومبالغة في العناد.
وفى قوله تعالى: {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} إشارة إلى أنه بفعله هذا قد أراد أمرا، هو إضلال نفسه، وإبعادها عن الخير.. إنه يحسب أنه يكيد بهذا لمن يدعوه إلى اللّه، وهو في الواقع إنما يكيد لنفسه، ويوردها موارد الهلال، كما يورد الذين اتبعوه هذا المورد.
{لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ} وذلك بما يرى من إعزاز اللّه للنبىّ والمؤمنين، ومن خذلانه سبحانه وإذلاله لجبهة الكافرين والمشركين، الذين كان هذا الضالّ مظاهرا لهم، ومحاربا في جبهتهم.
{وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ} وكما أنه لم يكن يقع في حسابه أن يجيء اليوم الذي تنهار جبهة الكفر، وتتعفّر فيه جباه الكافرين بالتراب، وقد جاء هذا اليوم الذي أخزاه وأذله- كذلك لم يكن يقع في تقديره أن يبعث، وأن يجيء يوم القيامة، وأن يحاسب على ما قدم من آثام- ألا فليعلم أن هذا اليوم آيات لا ريب فيه، وسيلقى العذاب المهين في الآخرة، كما لقى الخزي والهوان في الدنيا.
قوله تعالى: {ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}.
أي أن ذلك العذاب الذي يساق إليه هذا الضال وأمثاله، إنما هو بسبب ما قدمت يداه من سوء، فوجد هذا السوء حاضرا، ينتظره على مشارف جهنم.. {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}.
بل يجزيهم بما عملوا من حسن أو سوء: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [31: النجم].
وفى نفى المبالغة في الظلم عن اللّه في قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} إشارة إلى أن ما يلقى الضالون، والآثمون من عذاب في الآخرة، جزاء ما عملوا- هو عذاب شديد، وبلاء عظيم، لم يعرفه الناس في حياتهم الدنيا.. وحتى أن الناظر إلى سوء هذا العذاب- ليستكثره، ويرى أن لا ذنب- وإن عظم- يستحق به صاحبه بغض هذا العذاب، وحتى ليقع في نفسه أن ظلما شديدا وقع على هذا الإنسان المنكود، الذي يشوى بنار جهنم، هكذا على مدى السنين والدهور.. لا يموت فيها ولا يحيا.. وكلا، فإنه لا ظلم، ولا مبالغة في ظلم، وإنما هو الحق، والعدل، وإن كان عذاب السعير، والخلود في هذا العذاب.
قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ}.
وهذا صنف آخر من الناس.
وهذا الصنف، يقف على مفارق الطريق بين الإيمان والكفر.. يضع إحدى رجليه على طريق الإيمان، ويضع الأخرى على طريق الكفر.. إنه يعبد اللّه على حرف، أي على جانب واحد، دون أن يعطى اللّه وجوده كلّه.
فإن أصابه في دنياه خير ومسّته عافية، اطمأن، ووضع رجليه معا على طريق الإيمان.
وإن أصابه شيء ابتلى به في ماله، أو ولده أو نفسه {انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ} أي أعطى الإيمان ظهره.. وأنكر اللّه، وتنكّر له، ونسى نعمته عليه، وإحسانه إليه.
وهذا نفاق مع اللّه، أقبح وجها، وأشد نكرا من النفاق الذي يعيش به المنافقون في الناس.. إنه مكر باللّه، واستخفاف به- وفى قوله تعالى: {خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ} إشارة إلى أن هذا النفاق مع اللّه يقضى على صاحبه بخسران الدنيا والآخرة جميعا.. فهو قد خسر الدنيا، لأن ما ابتلاه اللّه، لا يدفعه عنه هذا الكفر باللّه، الذي لقى به ابتلاء اللّه له.
وهو قد خسر الآخرة، لأنه سيلقى اللّه على كفره هذا، وللكافرين عذاب أليم.
وقوله تعالى: {ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ} أي الخسران العظيم الواضح، الذي ليس فيه شبهة.. إذ كانت خسارة الدنيا فيه محققة، لأنها وقعت فعلا، ولو كان مؤمنا باللّه، لوجد في التسليم له والرضا بقضائه، عزاء يخفف من مصابه، ويهوّن من مصيبته.. وخسارة الآخرة ستتحقق أيضا، لأنها واقعة لا شك فيها، إذ هكذا سيعلم هذا الذي يعبد اللّه على حرف، وإن فتنه الابتلاء، وأضلّه عن سواء السبيل.
قوله تعالى: {يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ}.
أي أن هذا الضالّ، الذي يعبد اللّه على حرف، إذا ولّى وجهه إلى غير اللّه، حين يبتلى من اللّه بضر- فإنما يزداد ضلالا إلى ضلال، وابتلاء إلى ابتلاء، لأنه يفرّ من وجه اللّه، ويفزع من بلائه إلى من لا يملك ضرّا ولا نفعا.
إنه جهد ضائع، وعمل فاسد.. وذلك هو الضلال البعيد.
وفى تقديم الضرّ على النّفع، إشارة إلى أن هذه المعبودات التي تعبد من دون اللّه، لا تملك الضرّ، الذي يملكه للّه وحده، والذي يفرّ منه هذا الضال الذي إن شاء اللّه ضاعف عليه البلاء، ورماه بالضرّ بعد الضرّ.. ففى هذا تهديد لهذا الضال، أن يأخذه اللّه، بابتلاء آخر، يتبع هذا الابتلاء الذي ابتلى به، وكفر باللّه من أجله.
قوله تعالى: {يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ}.
أي أن هذا الضال الذي دعا غير اللّه لكشف ضرّه، إنما يدعو من يضرّ ولا ينفع، وفيه يصدق قول القائل:
المستجير بعمرو عند كربته ** كالمستجير من الرمضاء بالنّار

فالالتجاء إلى غير اللّه، مضلة، إذ لا يملك أحد معه من الأمر شيئا.
{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ} [107: يونس].
وهؤلاء الذين يلجأ إليهم المكروبون، من أصنام، أو حيوان، أو إنسان، إنما ضرّهم أقرب وأكثر من نفعهم.. ذلك أنهم إن وجد فيها عابدوهم بعض الراحة النفسية بما يداعب خيالهم من آمال كاذبة، وهم يفزعون إليهم، وهكذا شأن كثير من الذين يفزعون إلى الأضرحة، ويتعلقون بأبوابها، وأستارها، ويتمسحون بأعتابها وترابها، كلما مسّهم ضر، أو كربهم كرب.
فتراهم هناك يقضون أيامهم ولياليهم في ترديد عبارات الرجاء، وطلب الغوث، غير ناظرين إلى ما طرفهم من أحداث، وما جلّ بهم من ضرّ، فلا يعاجلونه بالجدّ والعمل، ولا يلقونه بالأسباب العاملة في دفعه، أو تخفيف أثره، منتظرين هذه القوى الخفية التي يلمحونها من وراء تلك الأضرحة أن تقوم عنهم بما كان يجب أن يقوموا هم به، وأن تتولى عنهم ما كان ينبغى أن يتولوه هم بأنفسهم.
ومن غير دخول أو تعرّض إلى ما تضمّ هذه الأضرحة من صلاح وتقوى فيمن أودعوا فيها من عباد اللّه الصالحين.. ومن غير اعتراض أو تعرض لما ولأولياء اللّه من كرامات في الدنيا. ومن غير بحث أو جدل فيما قد يكون أو لا يكون من اتصال كراماتهم في حياتهم، وبعد موتهم- فإن الذي يقضى به العقل، وتوجيه سنن الحياة، هو أن تعالج الأمور بأسبابها، وأن يؤتى إليها من أبوابها، وأن يلقاها الأحياء بواقع الحياة، وألّا يسلموها إلى تلك الغيبيّات التي لا يرون مجرياتها، ولا يدرون ما تأتى وما تدع من أمور.
هذا ما يقضى به العقل، وما تفرضه سنن الحياة..! وهو عين ما يقضى به الإيمان باللّه.. حيث أوجب الإيمان على المؤمنين أن يعملوا، وأن يواجهوا الحياة بعقولهم، وحواسّهم، وقواهم العقلية والجسدية معا، وأن يتقبلوا بعد هذا ما يعطيهم جهدهم من ثمر قليل أو كثير، فإن أصابهم خير حمدوا اللّه وشكروا له، وإن أصابهم ضرّ استعانوا اللّه بالصبر عليه، والتمسوا العافية وكشف الضرّ منه..!
هذا هو سبيل المؤمنين، الذين يمتثلون أمر اللّه سبحانه بالعمل، كما يقول سبحانه: {وَقُلِ اعْمَلُوا} ثم يسلمون أمورهم كلّها له سبحانه.. غير ناظرين إلى غيره، أو طامعين في غير فضل من فضله أو رحمة من رحمته..!
هذا وقد أشرنا إلى هذا في مبحث خاص، تحت عنوان: الوسيلة والتوسل فليرجع إليه من شاء.
وفى قوله تعالى: {لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} هو ذمّ لهؤلاء المعبودين لا من حيث ذواتهم وأشخاصهم، وإنما من حيث العون الذي ينتظره العابدون منهم.. فهم لا يملكون لهم من اللّه شيئا، كما يقول سبحانه وتعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ} [14: فاطر].
فالذمّ متجه إلى الثمرة المرجوّة من هؤلاء المعبودين.. إنها سراب ينخدع له أولئك الذين تتعلق أبصارهم به، وتنعقد آمالهم عليه.
والمولى: هو القريب، والسيد.. الذي يرجى عونه ونصرنه.
والعشير: المعاشر من أهل وأقارب.
ويجوز أن يكون الذم متوجها إلى المعبودين، من أصنام أو ناس يدعون الناس إلى عبادتهم.
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ}.
هو صورة مقابلة للمشركين والكافرين، وما حصلوه من التعبد لغير اللّه.. فقد كان جزاؤهم الخزي في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.
أما الذين تعبدوا للّه، وأعطوه ولاءهم، ودانوا له بالطاعة، وتقربوا إليه بالأعمال الصالحة، فقد ربحوا ربحا عظيما، حيث أعزهم اللّه في الدنيا، وأنزلهم في الآخرة منازل الرضوان، في جنات تجرى من تحتها الأنهار.
وفى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ} إشارة إلى سلطان اللّه وقدرته ومشيئته المطلقة، وأنه يفعل ما يريد، دون معترض أو معوق، أو معقب.
وفى هذا تعريض بالآلهة التي يعبدها الضالون من دون اللّه، حيث هي في قيد العجز، لا تملك ضرّا ولا نفعا.

.تفسير الآيات (15- 18):

{مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (15) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (18)}.
التفسير:
قوله تعالى: {مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ}.
هذه الآية تعرض تجربة عملية، تدعو إليها أولئك الذين يعبدون اللّه على حرف فيؤمنون به إن أصابهم خير، ويكفرون به إن مسهم ضر.
وهذه التجربة وإن لم يمكن إجراؤها إجراء واقعيا، فإنه يمكن أن تمثّل وتتصور تصورا.
وهو أن يمد الإنسان سببا، أي حبلا إلى السماء وأن يتخذ من هذا الحبل سلّما يصعد به إلى أعلى، ويرقى إلى منازل العزة والسيادة- فإن فعل هذا، وحدثته نفسه أن هذا لا يحقق له شيئا مما يريد، فليقطع هذا الحبل، ثم لينظر هل ينفعه كيده.. هذا في قطع الحبل؟ إنه قطع السبب الذي كان من الممكن أن يصعد به، وإنه ليس من وسيلة إلى ذلك إلا بمثل هذا الحبل الممدود.. وأما وقد قطع الحبل، فإنه سيهوى إلى الأرض، ويسقط جثة هامدة لاصقا بالأرض، لا يبرحها أبدا.
والصورة- كما قلنا- قائمة على التمثيل، والتخيل.
فالذى يؤمن باللّه، هو كمن مدّ حبلا بينه وبين ربه، وأمسك بالسبب الذي يستطيع به أن ينال من اللّه ما وعده، من عزة ونصر في الدنيا، وخير ونعيم كبير في الآخرة.
فإذا شك هذا المؤمن في أن ينال من اللّه ما وعده، وهو ممسك بهذا السبب الذي بينه وبين ربه، فليقطع هذا السبب، وليخل يده منه.. ثم لينظر ماذا يكون من أمره؟ أنه سيجد نفسه قد سقط على هذا التراب، ولصق به، ثم لا يكون له بعد ذلك سبيل إلى أن يتحرك نحو هذا الخير القائم على طريق هذا السبب الممدود بينه وبين السماء!.
إن الإيمان باللّه هو السبب- ولا سبب غيره- الذي يمكن أن ينال به الإنسان القرب من ربه، والتعرض لفضله وإحسانه.. فإذا قطع هذا السبب، فقد قطع كل سبب يدنيه من اللّه، ويفتح له مغالق السعادة والرضوان.
فإذا وقع لهذا المؤمن باللّه، ما تضيق به نفسه من البلاء، وما يظنّ به الظنون بربّه، فليكفر باللّه، ثم لينظر ماذا يجدى عليه كفره؟ هل يكشف عنه البلاء الذي نزل؟ وهل يدفع عنه الضرّ الذي وقع به؟ إن يكن قد نفعه ذلك- وهذا محال- فليمسك بكفره، وإلا فليعد إلى الإيمان، وليشدّ يده عليه، وإن أضرّه الضرّ، وكربه الكرب.. إنه ممسك بحبل النجاة في متلاطم الموج، وإن من الضلال أن يقطع هذا الحبل مختارا، ففى ذلك ضلال محقق، على حين أنه يكون في معرض النجاة ما دام ممسكا بحبل النجاة! قوله تعالى: {وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ}.
الإشارة هنا إلى هذه الآية الكريمة، وما فيها من حجة قاطعة، ومثل واضح بيّن، على أن طريق النجاة هو الإيمان باللّه، وأن هذا الإيمان هو حبل النجاة، فمن لم يمسك به فهو في الهالكين، ومن أمسك به، ثم قطعه فهو في الهالكين أيضا.
والضمير في {أَنْزَلْناهُ} يعود إلى القرآن الكريم، وأن آياته كلّها آيات بيّنات كهذه الآية البيّنة، التي صورت الإيمان باللّه هذا التصوير الواضح البين.
وفى قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ} إشارة إلى أن آيات اللّه مع وضوحها وبيانها، لا يهتدى بها، إلا من أراد اللّه له الهداية، وفتح بصره وقلبه إليها، وأراه الهدى والنّور منها.. {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً} [17: الكهف].
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.
هذا بيان للناس جميعا، على اختلاف معتقدهم في اللّه.. وهم:
الذين آمنوا إيمانا خالصا باللّه. وهم المؤمنون.
والذين هادوا.. وهم اليهود.
والصابئون.. وهم من أنكروا وجود الخالق أصلا.
والنصارى.. وهم الذين عبدوا المسيح من دون اللّه.
والمجوس.. وهم الذين عبدوا النّار، تقربا إلى اللّه، كما عبد المشركون الأصنام، تقربا إلى اللّه.
هؤلاء هم الناس جميعا، وهؤلاء جميعا يفصل اللّه بينهم يوم القيامة، ويميز المهتدين من الضالين منهم، ويجزى كلّا بما كسب.. {إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} فهو- سبحانه- عالم بكل فريق منهم، وبكل فرد من كل طائفة فيهم، لا تخفى عليه خافية، من كبير أعمالهم وصغيرها.
هذا، ويلاحظ هنا:
أولا: {أن الذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا} هؤلاء جميعا ليسوا في عداد المؤمنين باللّه.. وذلك لما شاب إيمانهم من قليل أو كثير، من الضلال والفساد.. ولهذا جاء ذكرهم كأصناف أخرى، خارجة عن صنف المؤمنين.
وثانيا: جاء نظم هذه الآية في سورة المائدة هكذا:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (الآية: 69).
والناظر في الآيتين يرى:
أولا: أن الآية الأولى- آية الحج- لم تعتدّ بإيمان غير إيمان المؤمنين باللّه. وأن الآية الثانية- آية المائدة- قد دعت المؤمنين وغير المؤمنين من هؤلاء الطوائف إلى الإيمان باللّه والعمل الصالح، وأن من آمن منهم باللّه واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.. وذلك لأن الإيمان- لكى يكون إيمانا صحيحا- لابد أن يصحبه عمل، فالإيمان بلا عمل، كلا إيمان.
ومن هنا كان على المؤمنين لكى يدخلوا في الحكم الذي قضت به الآية، وهوقوله تعالى: {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} كان عليهم أن يكملوا إيمانهم بالعمل الصالح، فهم بغير العمل الصالح مؤمنون، وغير مؤمنين!.
وثانيا: أن الآية الأولى- آية الحج- عطفت {الصَّابِئِينَ} عطف نسق على ما قبلها، كما عطفت ما بعدها عطف نسق عليها، حيث دخل الجميع تحت حكم النصب بأداة النصب {إن}.
على خلاف ما جاء في آية المائدة، حيث انقطع {الصابئون} قبلهم ومن بعدهم.. فما السرّ في هذا؟
والسرّ- واللّه أعلم- أن آية المائدة تدعو المؤمنين وغير المؤمنين إلى منزلة لا ينالها إلا من يحقق الأمرين معا: الإيمان، والعمل الصالح.
والمؤمنون.. مؤمنون ولا شبهة في إيمانهم.
واليهود.. مؤمنون، وفى إيمانهم شبهة، وهى أنهم يؤمنون باللّه، ولا يؤمنون باليوم الآخر.
والنصارى مؤمنون بالمسيح ابنا للّه، فهو إيمان مشبوه.
أما {الصَّابِئُونَ} فهم لا يعترفون بإله قائم على هذا الوجود، بل هم دهريّون، أو طبيعيون.
ولهذا، عزلوا عن هذه الطوائف الثلاث، لأنهم أبعد الناس عن الإيمان، ومع هذا فإن شأنهم شأن هؤلاء المؤمنين على اختلاف وضعهم من الإيمان، وأنهم إذا آمنوا باللّه وعملوا الصالحات- دخلوا في هذا الحكم العام:
{فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
أما من ذكروا في آية الحجّ فهم على منزلة واحدة في الحكم الذي يؤخذون به يوم القيامة، وهو أن اللّه يفصل بينهم، على الحال التي يكون عليها كل منهم.
وثالثا: لم تذكر آية المائدة، المجوس، ولا المشركين، على حين ذكرتهم آية الحج.
والسرّ في هذا- واللّه أعلم- أن المجوس والذين أشركوا، هم على صورة مشابهة لليهود والنصارى في إيمانهم إيمانا مشوبا بالضلال.. فلم يذكروا عند الدعوة إلى تصحيح إيمانهم، لأن فساد إيمانهم أظهر من فساد إيمان اليهود والنصارى، إذ كان مع اليهود والنصارى شبهة إيمان بالكتب السماوية التي معهم، على حين لم يكن المجوس والمشركين شيء من هذا، فهم مطالبون- من باب أولى- بتصحيح إيمانهم، بصورة ألزم من مطالبة اليهود والنصارى بتصحيح معتقدهم في اللّه، وإيمانهم به.. ففى ذكر اليهود والنصارى ذكر ضمنىّ- ومن باب أولى- للمجوس والذين أشركوا.
أما في موقف الفصل والحساب والجزاء، فكل طائفة على منزلتها.
فكان لابد من ذكر المؤمنين، ومن ذكر من معهم شبهة من الإيمان، وهم اليهود، والنصارى، والمجوس، ومن لا شبهة من إيمان معهم، وهم الصابئة والمشركون.. وذلك حتى لا يقع في وهم المجوس والذين أشركوا، أنهم غير مأخوذين بهذا الحكم، وأنهم ناجون من الحساب والجزاء.
ففى موقف الفصل والجزاء يأخذ كلّ مكانه، لا مع الطائفة التي ينتمى إليها وحسب، بل سيأخذ مكانه الخاصّ به في الطائفة التي هو منها قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ}.
فى هذه الآية تعريض بالكافرين والمشركين، وغيرهم، ممن لا يعطون ولاءهم خالصا للّه.. فعلى حين أن الوجود كلّه قائم على هذا الولاء المطلق الخالص للّه- فإن كثيرا من الناس- والناس وحدهم في عالمنا- يخرجون على هذا الولاء العام المطلق للّه، ويأبون أن يسجدوا له، فإن سجدوا كان سجودهم لغير اللّه.. وهذا فوق أنه كفر باللّه، وجحود بآلائه ونعمه، هو شرود وضلال عن الاتجاه العام، الذي يتجه إليه الكون كلّه، وسباحة متحدية للتيار الهادر الذي لا يغالب، والذي لا يلبث أن يغرق فيه كلّ من سبح في غير مجراه!
إن من في السموات ومن في الأرض، من عوالم ومخلوقات كبيرة أو صغيرة، عاقلة، أو غير عاقلة، حيّة أو جامدة.. كلها تسبح بحمد اللّه، وتنقاد لمشيئته، وتخضع لأمره.. إلّا هذا الصنف الشقىّ الضالّ من بنى الإنسان! وإن هؤلاء الأشقياء، لفى عزلة عن هذا الوجود، بل وفى حرب معه.. إنهم أشبه بجماعة من الخارجين على نظام المجتمع والعابثين بحرماته ومقدّساته.
فالمجتمع كله حرب عليهم، وإنهم لن يفلتوا من عقابه!.
وتسبيح الكائنات بحمد اللّه، هو في جريانها على سنن اللّه التي أقامها عليها.. فهى لا تخرج أبدا عن هذه السّنن، ولا تفلت من عقد الوجود الذي انتظمت في سلكه، وكانت حبّة من حبّاته.. {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [40: يس] وفى هذا انقياد للّه، وولاء له.
والإنسان وحده- فيما يظهر لنا- هو الذي منحه اللّه إرادة عاملة، ومشيئة تسمح له بأن يختار الطريق الذي يرضاه، دون قهر أو إلزام.
وليست كذلك الكائنات الأخرى، التي لا تملك هذه الإرادة، ولا تجد تلك المشيئة، إنها مسخّرة، على حين أن الإنسان مخيّر ومريد.. إنها لا تملك من أمرها شيئا، على حين أن الإنسان هو سيد نفسه، ومالك أمره.. وهذا تكريم من اللّه له، إذ جعله سبحانه وتعالى على صورة أقرب إلى صورته، فجعله مريدا، عالما، مختارا.. كما يشير إلى ذلك الحديث: «خلق اللّه آدم على صورته».
وهذا التكريم، هو ابتلاء لآدم، وهو الأمانة التي حملها، وأبت السموات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها.. وكان عليه أن يثبت لهذا الامتحان، وأن يؤدى الأمانة التي حملها، حتى يكون أهلا لهذا التكريم، وإلّا كان عليه أن يتحمل تبعة نكوصه وتخاذله، وأن يتجرع مرارة هذا الإخفاق، وأن يخلع ثوب الإنسانية، ليعيش مسخا قزما، مشوّه الخلق بين أبناء جنسه، الذين اعتدل خلقهم، وسلمت لهم فطرتهم، وذلك هو الشقاء الأليم والعذاب المهين.
قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} معطوف على قوله سبحانه: {يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ}.
أي ويسجد له كثير من الناس.
وفى قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ} هو استئناف، أي وكثير من الناس لا يسجدون للّه، فحق عليهم العذاب.. أي وجب ولزم.
وفى قوله تعالى: {عَلَيْهِ} بدلا من عليهم إشارة إلى أن هذا الصنف من الناس الذي أبى السجود للّه، هو في عداد غير العقلاء.. {أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [179: الأعراف] فهم وإن كانوا أعدادا كثيرة، أشبه بكيان واحد يجمع كتلة متضخمة من الضلال والفساد.
قوله تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} هو موجّه إلى تلك الجماعات التي شردت عن الحق، وضلّت عن سواء السبيل، وهى كلّ الطوائف غير المؤمنة التي أشار إليها سبحانه وتعالى في قوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ}.
فهؤلاء ممن أهانهم اللّه، إذ لم يدعهم إليه، ولم ينزلهم منازل رضوانه، فشردوا وضلّوا.. فالكفر باللّه هو أمارة الإهانة من اللّه للكافر، إذ لم يكن أهلا لأن يدعى إلى جناب اللّه، مع من دعوا إليه من عباده الذين آمنوا، لما اشتمل عليه كيانه من داء خبيث، لا ينبغى له أن يخالطه الأصحّاء ومعه هذا المرض، الذي يفتال إنسانيته، ويفسد معالمها.
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ} هو ردّ على سؤال أو تساؤل، قد يرد على لسان بعض الناس.. وهو: لماذا أهان اللّه هؤلاء الذين لم يؤمنوا به؟ ولماذا لم يدعهم إلى الإيمان، كما دعا المؤمنين وأراد لهم الإيمان؟
فكان الجواب: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ}! فمن كان له حيلة فليحتل، ومن كان له مع اللّه شيء فليأت به!.. فلتخرس الألسنة إذن، وليحمد المؤمنون اللّه أن هداهم إلى الإيمان، وليدع الضالون ربّهم أن يهديهم.. {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً} [17: الكهف].